ابن الجوزي
77
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : * ( فقالوا ربنا آتنا من لدنك ) * أي : من عندك * ( رحمة ) * أي : رزقا * ( وهيئ لنا ) * أي : أصلح لنا * ( من أمرنا رشدا ) * أي : أرشدنا إلى ما يقربنا منك . والمعنى : هيئ لنا من أمرنا ما نصيب به الرشد . والرشد والرشد ، والرشاد : نقيض الضلالة . تلخيص قصة أصحاب الكهف اختلف العلماء في بدو أمرهم ، وسبب مصيرهم إلى الكهف ، على ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم هربوا ليلا من ملكهم حين دعاهم إلى عبادة الأصنام ، فمروا براع له كلب ، فتبعهم على دينهم ، فأووا إلى الكهف يتعبدون ، ورجل منهم يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة ، إلى أن جاءهم يوما فأخبرهم أنهم قد ذكروا ، فبكوا وتعوذوا بالله تعالى من الفتنة ، فضرب الله [ تعالى ] على آذانهم ، وأمر الملك فسد عليهم الكهف ، وهو يظنهم أيقاظا ، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم ، وكلبهم قد غشيه ما غشيهم . ثم إن الرجلين مؤمنين يكتمان إيمانهما كتبا أسماءهم وأنسابهم وخبرهم في لوح من رصاص ، وجعلاه في تابوت من نحاس في البنيان ، وقالا : لعل الله يطلع عليهم قوما مؤمنين ، فيعلمون خبرهم ، هذا قول ابن عباس . وقال عبيد بن عمير : فقدهم قومهم فطلبوهم ، فعمى الله عليهم أمرهم ، فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح : فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا ، في سنة كذا ، في مملكة فلان ، ووضعوا اللوح في خزانة الملك ، وقالوا : ليكونن لهذا شأن . والثاني : أن أحد الحواريين جاء إلى مدينة أصحاب الكهف ، فأراد أن يدخلها ، فقيل له : إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له ، فكره أن يدخلها ، فأتى حماما قريبا من المدينة ، فكان يعمل فيه بالأجر ، وعلقه فتية من أهل المدينة ، فجعل يخبرهم عن خبر السماء والأرض ، وخبر الآخرة ، فآمنوا به وصدقوه ، حتى جاء ابن الملك يوما بامرأة ، فدخل معها الحمام ، فأنكر عليه الحواري ذلك ، فسبه ودخل ، فمات وماتت المرأة في الحمام ، فأتى الملك ، فقيل له : إن صاحب الحمام قتل ابنك ، فالتمس فهرب ، فقال : من كان يصحبه ؟ فسمي له الفتية ، فالتمسوا فخرجوا من المدينة ، فمروا على صاحب لهم في زرع ، وهو على مثل أمرهم ، فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف ، فدخلوه فقالوا : نبيت هاهنا ، ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم ، فضرب الله على آذانهم فناموا ; وخرج الملك ، وأصحابه يتبعونهم ، فوجدوهم قد دخلوا الكهف ، فكلما أراد رجل أن يدخل الكهف أرعب ، فقال قائل للملك : أليس قلت : إن قدرت عليهم قتلتهم ؟ قال : بلى ، فابن عليهم باب الكهف حتى يموتوا جوعا وعطشا ، ففعل ، هذا قول وهب بن منبه . والثالث : أنهم كانوا أبناء عظماء المدينة وأشرافهم ، خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد ، فقال رجل منهم : هو أسنهم : إني لأجد في نفسي شيئا ما أظن أحدا يجده ، فقالوا : ما تجد ؟